في الأسبوع الماضي، تواصل معنا متبرّع من ألمانيا وسأل سؤالاً بسيطاً وعميقاً في آنٍ معاً: “كيف أعرف أنّ الـ50 يورو التي أُرسلها وصلت فعلاً إلى الطالب الذي أكفله؟” كان سؤالاً مشروعاً، وأذكره هنا لأنّ كثيرين يتردّدون في طرحه, يخجلون من ذلك ربّما، أو يفترضون أنّه يجب أن يثقوا “بحسن النية” دون مساءلة. لكنّ السؤال ليس عيباً، بل علامةُ نضج.
في العمل الخيري، النية الحسنة ليست كافيةً. النية تُبنى عليها أعمال، وهذه الأعمال لها ميزانية، وهذه الميزانية تنبع من جيوب الناس، وهؤلاء الناس يستحقّون أن يعرفوا. هكذا ببساطة. ولذلك نحن نُؤمن، وبصدق، بأنّ الشفافية ليست خياراً نتعالى به على غيرنا، بل واجب يسبق كلّ شيء آخر.
جوابنا قائم على ثلاثة محاور
أوّلاً: التقارير الربعية
كلّ ثلاثة أشهر، نُصدر تقريراً علنياً يحتوي على:
- إجمالي ما تمّ جمعه في الفترة
- توزيعه على المشاريع، مشروعاً مشروعاً
- نسبة الإنفاق الإداري (لا تتجاوز 5٪، وعادةً ما تكون بين 3 و4٪)
- أعداد المستفيدين، بالأرقام لا بالأوصاف
التقرير الأخير شتاء 2026 منشور على المدوّنة، ويمكن لأيّ شخص قراءته دون تسجيل أو إذن. الأرقام علنية لأنّها مال الناس، والناس يستحقّون رؤيتها.
ثانياً: التواصل المباشر مع المتبرّعين
لكلّ متبرّعٍ كفالة طالب، نُرسل تقريراً ربعياً يحتوي على:
- اسم الطالب (الأوّل فقط، لحماية الخصوصية)
- التخصّص والسنة الدراسية
- المعدّل الفصلي
- ملاحظة شخصية من المستشار الأكاديمي
هذا التقرير يصل بالبريد الإلكتروني أو الواتساب حسب تفضيل المتبرّع. وإن لم يصل لأيّ سبب، يستطيع المتبرّع طلبه عبر الواتساب وسيصله في غضون 48 ساعة.
ثالثاً: حقّ المراجعة
أيّ متبرّع، بأيّ مبلغ، يستطيع طلب موعدٍ افتراضي مع المسؤول المالي للاطّلاع على دفاتر الحسابات. لا نشترط حدّاً أدنى للتبرّع، ولا نُفرّق بين متبرّع كبير ومتبرّع متواضع. هذا التزام دائم، ومسجّل في سياستنا الداخلية.
لماذا نفعل ذلك؟
السبب التقني سهل: لأنّه يبني الثقة. وكلّما ازدادت الثقة، ازداد التبرّع، وازداد عدد المستفيدين. هذه دائرة فاضلة لا يجادل فيها أحد.
لكنّ السبب الأعمق أهمّ. حين يأتيك مال من أيدي الناس، يصير هذا المال أمانةً، والأمانة لها حكم. لا تستطيع أن تعامله كمالك، ولا أن تنفقه كأنّه ميزانية مرنة. لذلك، حين أوقّع على فاتورة شراء سلال غذائية، أعرف أنّ هذه الفاتورة ستُطبع، وسيُحتفظ بها، وسيستطيع أيّ متبرّع رؤيتها. ليس لأنّ هذا واجبٌ قانوني, وهو واجبٌ قانوني, بل لأنّ هذا واجبٌ شرعي.
“إنّ الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها.”
نُحاول، نحن، أن نكون عند هذا الأمر. لا نزعم أنّنا كاملون، ولا أنّنا لم نُخطئ في يوم. لكنّ المبدأ ثابت: المال أمانة، والشفافية حماية. كلّ خطأ نُصلحه، وكلّ شكٍّ نُجيب عنه، وكلّ سؤال نستقبله بصدر رحب.
ماذا لو وجدتم خطأً؟
نُرحّب بذلك. حقاً. إن وجدتم في تقاريرنا تناقضاً، أو رقماً لا يُفسّر، أو إنفاقاً يبدو غريباً، تواصلوا معنا. سنُجيب، وسنُصحّح، وسنُعلن التصحيح. هذا ليس وعداً تسويقياً، إنّه التزامٌ مُعلن.
في النهاية، نحن نعمل لأجل النّاس الذين يستحقّون الدعم، ولأجل النّاس الذين يدفعون. لو كنّا قد فعلنا شيئاً غير ذلك، لما كنّا نستحقّ كلمة “خيري” في اسمنا.